“الطاعون” والكورونا وأوبئةٌ أخرى

كتب جورج طوق في لبنان ينتفض:

تبدأ المأساة بظهور وقح للجرذان وأجيافها في نواحي وهران الجزائرية، يؤدّي لموجة قاسية من الطاعون في المدينة. بالرغم من إشارة نظريات حديثة عديدة إلى ظلم كبير أُلحق بسمعة القوارض السوداء، إلّا أنّها تبقى المُلام الأول عن نقل الموت الأسود إلى البشر، وتفشّيه في حواضرهم على مدّ التاريخ، وكما توحي أيضاً الحبكة السوداوية لرائعة ألبير كامو عن الطاعون.

سجّل الاهتمام العالمي بالرواية، هذا العام، تحليقاً عالياً عقب تمدّد ساحة غزو الكائن المجهري التاجي للكوكب، ولسهولة إسقاطها على يوميّات المواجهة الكونية القائمة مع جائحة الكورونا. ليست رواية الكاتب الفرنسي نبوءة أو رؤية أبدية له، لكنّ السلوكيات البشرية الفردية والمجتمعية والدينية والعلمانية والعلمية والرسمية لا تتغيّر في الجوهر. ربّما يكمن هنا سرّ إعادة التاريخ لنفسه.

قد تكون أوجه الشبه وفيرة بين معاضل وهران في “الطاعون” وبين التخبّط الروتيني في كلّ مدينة يلفّها ضباب الكورونا في العالم اليوم، ولكنّ التطابق المدهش مع يوميّات الوباء في مدن لبنان وقراه يفوق المصادفة والعرَضية. فالمأساة الوبائية فيه بدأت أيضاً بظهور وقح وعلنيّ للقوارض في كافة نواحيه قبل أكثر من ثلاثة عقود، دون تنبّه المواطنين لخطرها، رغم مظاهر الوباء الفاضحة عليها، وإن بقي تكدّس أجيافها في الشوارع مسألة وقت. في بلد الأرز ونترات الأمونيوم، وكما حصل في وهران، انطلقت المطالبات بإجراءات وقائية مع السلطة الرابعة قبل أيّ سلطة رسمية أخرى. فحالة الطوارئ الأولى أطلقتها إحدى محطّات التلفزة، وسط حالة هيستيريا شعبية وإنكار خبيث رسميّ.

لعلّ أكثر شخصيّات رواية كامو تطابقاً مع واقع الحرب الوبائية اللبنانية هو النموذج الذي يمثّله “السيد ميشال”. يجزم الأخير، لسذاجته، بأن مسألة الجرذان النافقة في أزقة وهران هي خدعة سمجة وفارغة. خدعة ما لبثت أن أوفته منيّته. ليس السيد ميشال من أشرار رواية “الطاعون”، ولم يفعل ما يستحق الموت. السُذّج في لبنان ليسوا أشراراً. فهُم، مثل السيد ميشال، لا يرون في مباعث الأوبئة وتفشّيها في لبنان غير خدع فارغة تستهدف وجودهم وزعماءهم وأحزابهم وطوائفهم ومكتسباتهم وأنماط عيشهم. خدعٌ ما انفكّت تسرقهم وتذلّهم وتقتلهم كلّ حين، فيما يغفلون خُبث الوباء وجلل الانخراط في محاصرته. فالسذاجة أحياناً، حسب كامو، يمكنها أن تكون قاتلة.

عندما بلغ التمدّد الوبائي ما عصِي إنكاره، فرضت سلطات وهران إغلاقاً تاماً. أغلق رسميّو لبنان، بعد تأخير قاتل، منافذ البلاد ومنازلها ومدارسها وحدائقها ومصالحها ومصانعها ومصارفها وإداراتها بوجه وباء الكورونا للهروب من حقيقتهم الضامرة. لم يفعلوا غير ما يرفع عنهم العتب والنظر. علِق المواطنون في عزلتهم واحتياجاتهم ومخاوفهم ومعاناتهم فيما أبدع أهل السلطة بتهريب ثرائهم إلى مآمن بعيدة، وازدهروا، مثل “كوتار” في رواية كامو، بمآسي البؤساء وتجارة الأمل والأوهام وأسواق العملات والبضائع المفقودة. غالباً ما شكّلت مسارح البؤس جنّةً لتجّار المآسي.

أبقى الكاتب “الدكتور ريو” خارج دوّامة العبثية في روايته، وحمّله وزر سحب وهران من حلكة الطاعون. أيقن الطبيب نهم الوباء وعُقم السلطة، تفهّم أنانية وكُربة المصابين وتعاطف معهم. صهر علمه وعلمانيته وإنسانيته بمواعظ “الأب بانيلو” ونضال “السيد تارو” وتناقضات “الصحافي رامبير” ومأساة “القاضي أوتون” ليعلن الثورة على الطاعون، ويقود الوهرانين إلى النصر.

لو قُدِّر لألبير كامو أن يعاصر وباء الكورونا، ما كان ليختار وهران مسرحاً لروايته، بل كان ليجد في لبنان الموبوء جنّةً لفلسفة العبثية ويسقط حبكته على معاناة العالقين فيه. ما كان ليهدر صفحاته بالأرقام التراكمية للمصابين والأقنعة وعبوات التعقيم وسباق اللقاحات، وما كان البطل طبيباً. كان ليكتب روايةً عن أوبئة الطائفيّة والتبعية والفشل والهدر والفساد وأمراض فتّاكة أخرى تهدّد لبنان، ويختصر تلوّث الجرذان في شوارع وهران وقُصور السلطات فيها ودهاء وإجرام كوتار بكارتيل زعامات لبنان. كان ليختار “السلطة” عنواناً حذقاً للرواية، ويسند دور البطولة إلى أحد ثوّار ١٧ تشرين.

EN