حشود ٤ اب، ودور المجموعات

كتب هادي جعفر في لبنان ينتفض:

اللبنانيون قالوا كلمتهم في الرابع من آب: هذه البلاد لنا.

فاجأت الحشود الجميع، اهالي الضحايا والمجموعات المدنية الداعية والصحفيين والأحزاب السياسية.

هذه الأحزاب التي كانت الغائب الأكبر عن الحضور في يوم جرحنا الأكبر، احتجبت في عزلتها إلا ببعض بيانات خجولة ومحاولة قواتية فاشلة للاندساس بين صفوف الشعب الذي لفظهم “كلن يعني كلن”.

أعاد مشهد الجسور الممتلئة أعلاما لبنانية، مشهدية ١٧ تشرين إلى الواجهة وما شهدته ساحة الحرية، وأعاد أيضا نوستالجيا ساحات الرابع عشر من آذار.

بين آذار ٢٠٠٥ وتشرين ٢٠١٩ واب ٢٠٢١، الأمل والغضب:

نحن شعب يتحرك وراء الأمل وبدافع الغضب. وأمل هذا الشعب وتوقه للتغيير لم يبدأ مع ١٧ تشرين، فنحن أيضاً شعب يعرف كيف يحدد أولوياته، ولو أننا نمعن في نقد ذاتنا على خياراتنا في السياسة التي حكّمت هؤلاء بنا، إلا أننا ولنكن منصفين، ورثناها ورثة مقيتة عن أجدادنا وآبائنا وعن زمن الحرب وما قبلها.

أملُ هذا الشعب وأولوياته في ال ٢٠٠٥ كانت استعادة الحرية، مدفوعا بالغضب من التفجير الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري وشهداء كثر، ملأ الساحات ضمن تحالف سياسي حزبي عريض لعدد كبير من قوى السلطة.

أحزاب ما عرف ب “حرية وسيادة واستقلال” خذلت حشود الساحات بعيد اندحار جيش النظام السوري، فكانت موقعة الساحات الثانية في ١٧ تشرين ضد “كلن يعني كلن”، مدفوعة من غضب على الأوضاع المعيشية وأمل بالتغيير، في مشهدية تفوقت على مشاهد ١٤ آذار وتميزت عنها بانها صناعة شعبية ١٠٠%، لم تنتظر دعوة من أحد ولم تصفق لخطاب رجل سياسي سوف ينساه هو بعد حين.

فشلت المجموعات التغييرية أو المدنية أو مجموعات ١٧تشرين بتعدد تسمياتها وتوصيفاتها وايديولوجياتها باستثمار الغضب والأمل كما فشلت قوى ١٤ آذار من قبلها باستثمار الاستقلال الثاني.

قوى ١٤ اذار افشلها ضعفها وفسادها وجشعها، وكان حزب الله، الذي يعرفهم جيدا، جاهزا في لحظة دولية مواتية لتخويفهم واغرائهم وإغراقهم وبإرادتهم في تسويات أنتجت حكومات مسلوبة السيادة بالسياسة، مغمورة بالفساد والمحاصصة.

أما المجموعات التغيرية فأفشلها بعد ١٧ تشرين، ضعف تجربتها السياسية وغياب قدرتها على التنظيم وصياغة خطاب يلامس قضايا الناس ويبني ثقتهم بها، فهي انشغلت بخطاب سياسي عام شعاره إسقاط النظام، ولكن إسقاط النظام بحاجة لعمل تنظيمي على مستوى القاعدة، ولخطاب أكثر تواضعا بالأهداف، يراكم انتصارات في ملفات حياتية مختلفة فيبني ثقة الناس بقدرة القوى التغييرية على إسقاط النظام ليساندوه.. اسقاط النظام بحاجة للناس.

هذا الكلام ليس لإلقاء اللوم بقدر ما هو لتقييم التجربة. وهذا التقييم وصلت اليه مجموعات عدة فبادرت إلى تشكيلات قاعدية، تشاركية واسعة. وأخذت تغيّر في الخطاب وتضيف إليه ما يلامس الناس بواقعهم اليومي كالخبز والدواء والاتصالات والوقود. كما بينت انتخابات نقابة المهندسين ما يوحي وكأن هذه المجموعات على تنوعها، قد تعلمت كيفية ادارة الاختلافات فيما بينها ونسج تحالف انتخابي واحد يكسر هيمنة أحزاب السلطة.

ومرة جديدة، هذا الشعب الذي يحركه الأمل والغضب، ومع جرعات الأمل التي قدمتها انتخابات الطلاب والنقابات، ومع الغضب الذي لم يهدأ ولم يخبو منذ عام، ملأ جسور محيط المرفأ وصولا الى ساحة الحرية في الوسط. في مشهدية ربطت بين جسور الأمل ومواجهات الغضب امام مجلس النواب.

طريق التغيير، طويل:

يحتاج لبنان إلى تسعة عشر عاما ليتعافى بحسب تقرير للبنك الدولي. لكن العداد لم يبدأ دورانه بعد، سنوات احتضار طويلة قد تمر، قبل أن تبدأ مرحلة التسعة عشر عاما من التعافي.

المسؤولية اليوم على قوى التغيير، أن تعرف كيف تنتظم، وكيف تصيغ خطاب انتخابي يكسبها ثقة الناخبين، وكيف تدير حملات انتخابية بشعارات تتوحد وطنيا وتتنوع مناطقيا بحسب مطالب الناخبين وهواجسهم وتطلعاتهم في كل منطقة انتخابية، وكيف تواجه ماكينة السلطة بمكوناتها الثلاث (المال والأمن والخدمات)..

لكن الأهم، تحتاج القوى التغييرية لوضع خطة للمواجهة في حال تعطيل الاستحقاق الانتخابي، مع جنوح لدى اطراف في السلطة ابرزهم مرشدها الاعلى حزب الله، للتأسيس لنظام لبناني جديد، والجديد هنا لن يكون في مصلحة الهوية اللبنانية ولا في سبيل بناء نموذج لبناني ناجح في الاقتصاد والثقافة والفنون والمجتمع، بل يريد الحزب للبنان الجديد ان يكون بريد إيران في السياسة الخارجية، وسوقها الشعبي في الاقتصاد وشاطئها على المتوسط كامتداد لحصتها التي قد تجنيها من التسوية الدولية في سوريا.

العمل اذا يجب ان يبدأ الآن على خطوط ثلاث: خطاب تغييري يبدأ بأهداف أكثر تواضعا وصولا إلى هدف إسقاط السلطة، وتحضير فعلي محترف للانتخابات النيابية، والتحضر لحالة إلغاء الانتخابات وابقاء هذه السلطة على البلد في حالة موت سريري لتبقى هي.

الشعب قال كلمته مدوية في ذكرى الانفجار الكبير، هذه البلاد لنا ونحن نريد التغيير.. لا يجب ان يُخذل مجددا.

EN