انفجار مرفأ بيروت

من الحرير إلى نترات الأمونيوم

كتب جورج طوق في لبنان ينتفض:

يُقال أنّ انفجار مرفأ بيروت هو الثالث، من حيث القوة، في منطقةٍ مأهولةٍ في العالم. أنهى عصف الأول والثاني ثاني الحروب العالمية، فيما أنهى الثالث عزلة سلطةٍ معتزلة.

بيروت، التّي استبدل لها المرفأ هامشيّتها بمحوريّتها، أمست بلا مرفأ. استقدم المرفأ للمدينة رغدها وتنوّعها ولغاتها ومهاراتها. زيّنت مراسيه قوام العالم بنعومة حريرها، فزنّروه بحقد نترات الأمونيوم. كانت رحلات الحرير اللبناني واضحةً ومعلومة، من شرانق القزّ في جبال لبنان حيث مزارعوه وتجّاره، إلى خِراج الحمير نحو مراسي بيروت، وعنها إلى مراسي مصر وإيطاليا وفرنسا، فيما لم يُعرف كيف رست قنبلة الأمونيوم، سبع سنوات، خلف إهراءات القمح.

سلطة بأخلاق ميليشيا
بالرغم من أنّ لبنان لم يكن يوماً، إجتماعيّاً وسياسيّاً، بنعومة أو جمال الحرير، إلّا أنّ كلّ شيءٍ فيه، من جمالٍ وانفتاحٍ وتعدّدٍ وثقافةٍ واقتصاد، انحدر، عمليّاً، من مستوى الحرير إلى مستوى نترات الأمونيوم. ما يزيد من سخرية القدر في الإنحدار هذا، هو أنّ سرعته، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، كانت أعتى من سرعته تحت وبْل رصاصها، وكان نهم البزّات الميليشياوية لأسياد الحرب، ألطف من نهم البِدل الرسمية الأنيقة. انتقل اللبنانيون من سلطة ميليشياتٍ تفرض شرعيتها الى شرعية سلطةٍ تفرض ميليشياوتها، فانحدرنا من ميليشياتٍ بأوهام سلطةٍ إلى سلطةٍ بأخلاق ميليشيا. وفي ذلك دفعٌ جوهريٌ نحو هاويه الإنحطاط الشامل.

وقاحة السُلطة وجرأة الثورة
ميليشياتٌ قايضت أعداد ضحاياها بالسلطة لتحكم الناجين، وسلطةٌ غابت في الحرب عن كلّ اشتباكات التنظيمات المسلّحة، ثمّ اشتبكوا سويةً، في السلم، مع كلّ التحركات المطلبية السلمية. ربما تقف هذه المورثات الجينية الميليشياوية للسُلطة خلف العداء بين وقاحتها وبين جرأة الثورة. فهي تغيب كلّ يومٍ، بإذلالٍ، عن رشقات الرصاص المتفلّت، وتتابع، بوقاحةٍ، نقرات الإعجاب على وسائل التواصل الإجتماعي. تحاكم من يقشع العيون ويحميها وتحمي من يفقأها. قد تكون أخلاق الميليشيات، انحدرت، في الحرب، إلى حدود مصادرة أكياس الخبز، لكنّها لم تصل إلى درْك أكياس الشاي. ليست ميليشياتٌ متّهمةٌ بمصادرة الخبز، أدنى أخلاقيّاً، من شرعيّةٍ تجهد لحماية متّهمين بجريمة تفجير مرفأ بيروت، وتنقلهم إلى رفاهية التكييف، فيما المدينة، بأكملها، بلا نوافذ. لم يحصل في التاريخ أن حقدت سُلطةٌ على كلبٍ أخطأ باشتمام نبضٍ تحت الركام، فيما أخطأت هي، بكامل مكوّناتها، باشتمام أطنانٍ من حقد نترات الأمونيوم فوق مراسي بيروت.

مئة عام تفصل بين اضمحلال عهد الحرير وبين صعود عهد نترات الأمونيوم. مئة عام أيضاً تفصل بين ولادة لبنان الكبير وبين سقوطه بين ضحايا تفجير بيروت. رفعت الثورة الدموع والدماء والركام فور مرور الغيمة الفطرية لجريمة الرابع من آب، فهل ترفع ركام السُلطة وميليشياتها إلى مكبّات التاريخ ؟

EN