المشاكل اللبنانية الحالية وأسبابها

لبنان ينتفض

المشاكل اللبنانية الحالية وأسبابها

النظام الطائفي

أسس النظام الطائفي
منذ نشأة لبنان الكبير والجمهورية اللبنانية تعاني من انقسام حاد جعل الوطن بمثابة أوطان منقسمة و متناحرة سياسيًا و طائفيًا.
من دون شك أن استقرار المجتمع اللبناني المتنوع طبقيًا و عرقيًا و حتى لغويًا يحتاج إلى نظام سياسي ذو مصالح و أهداف و قيم ثقافية و إجتماعية ثابتة لربط المجتمع بعضه ببعض. و لكن، و منذولادة دولة لبنان الكبير، كانت و لا تزال الطوائف هي المكون الأساسي في الأنظمة السياسية المتلاحقة للسلطة في لبنان بدعم من قوى إقليمية و دولية على حساب إنتماء وطني جامع.
فخلال حقبة الحكم العثماني، تصاعدت الأطماع الأوروبية عامةً، والفرنسية خاصةً، مع استمرار الإنعزال و الإنقسام المذهبي و الطائفي الداخلي. فلم تستطع الزعامات الطائفية الإتفاق في ما بينها بسبب تعدّد الإتجاهات والآراء و التعصّب، ممّا جعل لبنان تحت وطئة التدخلات الخارجية.
منذ عهد المتصرفية في القرن الماضي و يشهد لبنان الإنقسام الناشئ عن الطائفية المذهبية بين القومية اللبنانية والقومية العربية. فالقومية اللبنانية المؤلفة بمعظمها من المسيحيين، ذات طابع ماروني، لجأت لفرنسا لطلب الإستقلال رفضًا للإنضمام إلى أي دولة عربية، بينما كان يوجد تيّارات داخلية أخرى تعارض التدخلات الفرنسية و تطلّع إلى البقاء ضمن سوريا.,
استمرت هذه الخلافات بين القيادات الطائفية حتى بعد إنشاء دستور 1926. فقد حدث آنذاك إتفاق عرفي أوجد صيغة توافقية بين جميع الطوائف و لكن من دون التوجه لإقرار موقف موحّد تجاه القضايا اللبنانية.
فقد تمّ الإتفاق على فكرة توافق وطني، و ليس على إلغاء الطائفية. فالطائفية اللبنانية ليست دينية فقط، بل هي اجتماعية و إقتصادية و مناطقية.
الطائفية اللبنانية تبدأ من التنشئة العائلية و التعليمية في كل منطقة، مع عاداتها و أعيادها الخاصة، إلى الوظائف و المؤسسات بين العاملين فيها. و برغم التعديلات المتتابعة التي طرأت على الدستور اللبناني و حتى بعد الإستقلال و الميثاق الوطني سنة 1943، أو إتفاق الطائف لإنهاء الحرب الأهلية سنة 1989، وصولًا لإتفاق الدوحة سنة 2008، يبقى لبنان مرتكز على الإنقسامات الطائفية.
والوفاق الوطني القائم لا يمثل وفاقًا حقيقيًا، بل يعكس الإنقسامات التي تبقي لبنان مجموعة دويلات متناحرة في كل قرار يجب اتخاذه، حرصًا من كل طرف على طائفته الخاصة و ليس على مصلحة هذا الوطن الجامع المنقسم.
المشاكل الناتجة عن النظام الحالي
مهما تعدّل الدستور و مهما تعدّدت الإتفاقيات و مهما تغيّر الحكّام اللبنانيون، القواعد الطائفية لا تزال ثابتة إجتماعيًا و سياسيًا. فلم ينشأ عقد إجتماعي لبناني ليخرج البلاد من الصراعات الطائفية لتتحول العلاقة بين السلطة و الشعب إلى علاقة وطنية عادلة و فعّالة.
كلّ تعديل، ميثاق أو إتفاقية جرت كانت تدعم و تطوّر الإمتيازات الطائفية المناطقية. و لهذا فإن النظام اللبناني الحالي ما زال غير قادر على القيام بأي تقدّمٍ ملموس. فالحقيقة أن المؤسسات الدستورية و الدستور اللبناني كانوا و لا يزالون داعمين لقرارات و مواقف الطوائف، غير مبالين بوطن يجب أن يكون للجميع.
إن هذا الفشل الدستوري و السياسي هو ما أدى إلى عدم فعالية ما يسمى بطاولة الحوار المستحدثة و التي كان يجب أن ينتج عنها اتفاقيات وقرارات وطنية. فها هي، حتى يومنا هذا،يجتمع حول هذه الطاولة ممثلي الطوائف اللبنانية على تعدّدها، ليتداولوا و يتعاركوا فيما بينهم خوفةً من كل طرف على مصالح طائفته.
وهذا ما يؤدّي إلى الصراعات السياسية الحالية والفراغ الدستوري المتكرر وعدم القدرة لاتخاذ قرارات فعّالة لبناء وطن، أو تقديم خدمات، أو لحماية الدولة، أو حتى لتقديم استقرار داخلي للمجتمع اللبناني و مستقبل واعد لشعبٍ يعاني أسوأ الحالات إجتماعيًا و إقتصاديًا و إنمائيًا. و تبقى كل القرارات التي يجب إتخاذها عالقةً خوفًا من عدم تلبية حقّ من حقوق طائفةٍ معيّنة، ضاربةً بعرض الحائط أبسط حقوق المواطن اللبناني مهما كان انتماؤه أو طائفته.

الأسس السياسية

العلاقات الداخلية
توجد في لبنان 18 طائفة منها ستة طوائف أساسية و لها حضورها السياسي، وهي:
- الموارنة
- الأرثوذكس
- الكاثوليك
- السنّة
- الشيعة
- الدروز
لكي تضمن الجمهورية اللبنانية عند تأليفها تحالفها كدولة، نشأ عرف غير مكتوب عام 1943 يتضمن تولّي رئاسة الجمهورية ماروني، مجلس الوزراء سنيّ، و المجلس النيابي شيعي. و لم يتغيّر هذا العرف ليومنا هذا أو يناقش. و بينما أن في مقدمة الدستور اللبناني يعرّف لبنان كجمهورية ديمقراطية برلمانية، هذا الدستور نفسه هو من أعطى رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لمراعاة وضع الموارنة و المسيحيين، ممّا جعله أشبه بحكم رئاسي.
بعد الحرب الأهلية، طالب المسلمون بالحد من هذه الصلاحيات وتعدّل الدستور في الطائف من خلال وثيقة الوفاق الوطني التي أنهت الحرب. وهذا الإتفاق كان قد حاول تصحيح الخلل الموجود بين السلطة و الميزان الديمغرافي و لكن من دون أي تعديل يذكر على الجوهر الطائفي المهيمن على السياسة اللبنانية.
ومع أن الحرب كانت قد انتهت، و لكنّ أسبابها لم تعالج، بل أدخلت توازنات جديدة في السياسة اللبنانية.فقد تم سحب معظم الصلاحيات التنفيذية من يد رئيس الجمهورية و تم إعطاؤها إلى مجلس الوزراءالذي يمثّل كلّ الطوائف بين مسيحيين ومسلمين بالمساواة. وقد وزّعت المقاعد في المجلس النيابي أيضّا بالمناصفة بينهم بعد أن كان التوزيع بنسبة 5 مسلمين مقابل 6 مسيحيين.
يجدر الذكر أنه كان قد تمّ الإعفاء عن جميع الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية بقرار صادر عن المجلس النيابي، الأمر الذي رمى صفحة الحرب بعيدًا قبل قراءتها بتمعّن. فأصبح قادة الميليشيات في الحرب زعماء سياسيين.
مع انتصار المحور السوري في هذه الحرب، تمّ إستبعاد الخصوم الأساسيين لهذا المحور بنفي الجنرال ميشال عون و سجن رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع. و مع أن الميليشيات حُلّت بانتهاء الحرب، فلم تسلّم جميع الأسلحة، فلا تزال العديد من المنازل تحتوي على بعض الأسلحة الخفيفة، كما أن معظم القوى السياسية ما زالت تمتلك بعض الأسلحة المتوسطة، و الفصائل الفلسطينية ما تزال محافظةً أيضًا على أسلحتها داخل المخيمات.
أما المقاومة فقد أبقت على أسلحتها، لأنها المقاومة ضد العدو الصهيوني. و عمليًا، إن المقاومة في لبنان هي حزب الله. و خلال السنوات التي تلت انتهاء الحرب، بنى حزب الله منظومة عسكرية فاقت منظومة الدولة اللبنانية بقدراتها.
بعد حادثة اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 2005، تغيرت المعادلات السياسية تغيّرًا شاملّا. فبعيد الإغتيال، انتهت الوصاية السورية المباشرة، و لكن مع بقاء النفوذ السوري من خلال حلفائها السابقين، حزب الله و حركة أمل، مع انتقال تيار المستقبل من حليفٍ إلى معارض.
وبدأت الخلافات السنّية الشيعية بالتفاقم. تمّ بعدها العفو عن خصوم النظام السوري، فعاد الجنرال عون، و خرج رئيس القوات من السجن. منذ نشأة لبنان، و الطائفية السياسية هي المكوّن الأساسي للسلطة اللبنانية. و مهما تغيّرت المعادلات أو التحالفات بين الأطراف، فإن السياسية الداخلية للبنان تبقى تحت وطأة الطوائف.
المحاصصة
إن الدولة اللبنانية و مؤسساتها كافة هي عبارة عن غنائم تقتسم بين الطوائف اللبنانية على تعددها. فالسلطة الحالية هي سلطة تتألف من عدة أحزاب سياسية طائفية الطابع أولًا. و هذه الأحزاب جميعها قائمة على تقاسم الدولة بإداراتها و مصالحها العامة.
المشكلة الأساسية تكمن في الدعم الشعبي المؤيّد لكل من هذه الأحزاب الطائفية، إذ كل كيان سياسي مهيمن على مؤسسات و إدارات و مصالح في الدولة يستطيع تأمين الوظائف العامة و الخاصة لمؤيديه من الطائفة ذاتها.
فتتحول الإدارات العامة إلى صراعات طائفية و مصالح حزبية و تمتلئ بأولياء للزعماء الحاليين، ضاربةً عرض الحائط الكفائات التي يجب أن يمتاز بها المسؤول أو الموظف في شؤون الدولة. هذا ما يجعل مؤسسات و إدارات و حتى مصالح الدولة ممتلئة بأزلام الأحزاب الطائفية، مما يؤدي للفساد و الميليشيوية و الفشل الإداري.
و قد تطورت سيطرة الأحزاب و طوائفها خلال السنين على الدولة لتصبح الإدارات و الوزارات محسوبة لهذه الطائفة أو تلك، مما جعل العلاقة بين السلطة و شعبها مرتكزة على ولوج حزبي طائفي معين، فبدأت الزبائنية و الوساطة السياسية بالهيمنة على كل أطراف هذه العلاقة.
إن غاية السيطرة على مفاصل الدولة كافة من قبل الزعماء الطائفيين تكمن في الإستيلاء على موارد وثروات الدولة من خلال منهجية الفساد المسيطر على مقررات المجلس الوزاري و القوانين المنبسقة من المجلس النيابي وحتى إلى المناقصات في جميع الدوائر الإدارية والمشاريع والشؤون العامة.
إن خطورة هذه المحاصصة المستشرية بجذور الدولة و المؤسسات تكمن في تفضيل المصالح الخاصة العائدة لكل طائفة، فنشهد توزيع الحصص تلك كغنائم من خلال الموافقات التي يجب الحصول عليها لبدأ المشاريع و الإهتمام بالشؤون العامة، مما يجبر الأحزاب السياسية على التوافق فيما بينها على مقدار الحصص لكلٍّ منها.
إن معظم الخلافات والنزاعات السياسية بين الأحزاب الحاكمة لا يكمن على المبادئ السياسية أو الإيديولوجية لهم، بل على الإختلاف على مقدار تلك الحصص التي يرتأي كل طرف على أنها يجب أن تصب في مصلحة طائفته دونًا عن غيرها.
وتقف بذلك المشاريع الإنمائية و يصعب استكمال الشؤون العامة الأساسية للدولة بانتظار توافق توزيع الحصص لتقاسم أموال الشعب بين الأحزاب.
العلاقات الخارجية
لقد مرّ لبنان بعدّة حقبات تربطه بعلاقات خارجية متعدّدة. فقبل استقلاله، كان مستعمرّا و من بعدها منتدبٌ عليه. أمّا بعد الإستقلال فمرّ بحقبة وصاية و احتلال مباشر، استكملت بطريقةٍ غير مباشرة. لم يكن يومًا للبنان سيادة حقيقية. فمع أنه يجب إنماء العلاقات الخارجية لأي بلد من أجل الإزدهار الإقتصادي و التجاري له، و تطوير علاقاته الدبلوماسية و تنمية الصداقات بالمحيط، و لكن يجب لأي دولة سيادية أن تكون سيّدة نفسها بقراراتها الخارجية و الداخلية. و هذا الأمر الذي لم تره الجمهورية اللبنانية بعد.
كل الفرق السياسية، على إختلافها و اختلاف سياساتها، بقيت مرتهنة لدولة أو قوّة خارجية، عربيّة أو غربيّة، بقراراتها السياسية. هذا الأمر أدّى إلى تحويل لبنان لأرض نزاع بين الدول التي تتبعها الفرق السياسية، و منها روسيا أو الولايات المتحدة، سوريا أو اسرائيل أو دول الخليج، إيران أو أي من الدول الأوروبية.
هذا الأمر يعود للجذور الطائفية المرسّخة عند اللبنانيين و جميع من توالى الحكم في السلطة. ففي عام 1861، وُقّع بروتوكول لإنهاء الحرب القائمة آنذاك بين الدروز و المسيحيين، و جعل لكلّ طائفة في لبنان راعٍ خارجيّ، فكانت فرنسا ترعى حقوق الموارنة، روسيا الأرثوذكسيين، النمسا الكاثولكيين، انكلترا الدروز، و تركيا راعية لحقوق المسلمين من السنة و الشيعة.
إن التبعية السياسية الخارجية التي كانت و ما تزال جميع الفرق السياسية اللبنانية تتبعها منذ القرن التاسع عشر، تؤدّي إلى إقحام لبنان في حروبٍ و صراعات دولية من خلال التحكم بالسياسات و الإقتصاد داخل لبنان كوسيلة ضغط في ما بينها. أمّا الوسيلة المؤاتية لذلك فتكون عبر الحكام اللبنانيين، الذين دائمًا ما اتّبعوا السياسات الخارجية ذاتها، بالرغم من التوصل إلى نفس النتائج.
هذا الأمر هو الذي أوصل لبنان للجوء إلى مؤتمرات دولية تحت عناوين حوارات وطنية في جنيف عام 1983، تلاها آخر في لوزان في العام الذي يليه، من بعده في الطائف عام 1989 و الآخر في فرنسا عام 2007.
كلّ هذه المؤتمرات تخلّلها الرحلات التوسّلية و التسوّلية لمساعدة لبنان على ثلاثة مراحل في باريس و آخرها من خلال مؤتمر سيدر. إن السياسة الخارجية التبعية التي يعتمدها جميع الحكام السياسيين بشدّ الوتر الطائفي، هي التي تؤدّي ليس فقط لإثراء هؤلاء التبعيين على حساب الشعب و مصالح لبنان كدولة، بل لجعل هذه الأرض و سكانها و استقرارها الأمني و الإقتصادي ورقة تفواض بيد الدول المتنازعة.

المشاكل الإقتصادية

النظام الإقتصادي الحالي
إن نجاح أو فشل السلطة المسؤولة عن أي دولة يكمن في نجاح أو فشلنظامهاالإقتصاديً أوّلًا. فخلال الإزدهار الإقتصادي يستطيع الشعب و الدولة سويًا التطور، إذ تُخلق فرص عمل للشباب، تؤمَّن جميع الإحتياجات الأساسية، توضع خطط للإهتمام بالعجائز، يقلّ الفقر، تزدهر التجارة و الإنتاج، يُعمل على التصدير المثمر، يحلّ الأمن و الإستقرار و تزدهر الدولة بشعبها. و لكن الوضع اللبناني مغاير تمامًا. فنحن نعيش بإقتصادٍ فاشل يعتمد على الريعية باستدانة الأموال، و يُحلَّك بالإنتهازية و الإحتكارات، و يقوم على سياسات مالية واهنة.
فقد تناسى من في السلطات المتتابعة دور الصناعة، و الزراعة، والإنتاج المحلي، والإستثمارات المربحة، وارتكز إقتصاد لبنان على أموال مغتربيه الهاربين من الواقع المشؤوم، وعلى السياحة المهدّدة بالفشل مع أيّ خللٍ أمنيّ الذي دائمًا ما كان يتكرّر. ,
كلّ هذا الواقع الإقتصادي لطالما كان مهيمنًا في لبنان من خلال السياسات الإنتهازية، الفساد و الإحتكار المستشري على جميع أركان و مؤسسات الدولة.
فأدّى إلى يومنا هذا إلى واحد من أسوأ الإنهيارات الإقتصادية عالميًا لتطال أموال المودعين. وسبب هذا الفشل الإقتصادي هو عدم وجود أساس واضح وثابت للعمل بجدّ على تطوير القطاعات المنتجة واستقطاب أي استثمار خارجي يمكن أن يساعد لإزدهار فعّال ومنتج يجعل لبنان دولة ناجحة.
المشاكل في القطاع الصناعي
مع أنّ القطاع الصناعي اللبناني لم يحصل على الدعم اللائق لإزدهاره و تطويره، إلّا أنّه كان يتواجد حتى العام 2017 ما يعادل 6208 مصنعًا في لبنان حسب المسح الميداني من قبل شركة دليل الصادرات و المؤسسات الصناعية اللبنانية.
نلاحظ رغم ذلك أنّ أكثر من نصف هذه المصانع تتواجد في جبل لبنان بينما يتوزع النصف الباقي على المحفاظات الأخرى. لا شكّ أن أعداد هذه المصانع لم تكن كما كانت قبل الحرب التي اندلعت في سوريا. فبين 2012 و 2015 لوحظ تراجع بالإنتاج في هذا القطاع من 10.5 مليارات عام 2012 إلى 8.8 مليارات عام 2015.
فبعد إغلاق المعابر البرية الوحيدة التي تصل لبنان بالخارج، انخفضت الصادرات اللبنانية.
أمّا اليوم، و مع الإنهيار الإقتصادي المستشري بالبلاد، ومع وجود سعرين للدولار، و مع صعوبة تحويل الأموال من أجل شراء مواد أوّلية لهذه المصانع من دون تسهيلات مصرفية، فقد توقّفت تمامًا خطوط الإنتاج في الكثير من المصانع. و لكنّ الأزمة الإقتصادية الراهنة ليست فقط السبب للشلل الذي يحصل في القطاع الصناعي، بل أن السبب الأساسي كان وما زال ضعف الأسس الثابتة لدعم ازدهاره.
فلم يتواجد قطّ استقرار سياسي يشجّع الإستثمارات، وغاب التوجيه نحو صناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، فشُلّ التنوّع في الصناعات مع انخفاض الأرباح.
لم تتواجد أسعار عقارية مؤاتية لتشجيع بناء مصانع و لم تتوفر مناطق صناعية إلّا بأسعارٍ خياليّة. لم تؤمّن البنى التحتية الأساسية والخدمات الضرورية للإستمرار بالأعمال الصناعية، ولم تتوفّرالمراقبة الكافية للحدّ من المنافسة الأجنبية التي تدخل الأسواق المحلية من خلال عمليات التهريب. إنّ هذا الواقع المسيء للقطاع الصناعي سببه عدم وجود رؤية حكومية و إقتصادية واضحة لدعمه.
المشاكل في القطاع الزراعي
ممّا لا شك فيه أن لبنان يمتاز بأراضٍ خصبة، جلول جبلية مؤاتية للزراعة، و القدرة على إنتاج منتجات طازجة. و لكن القطاع الزراعي الذي يعتبر من أهمّ القطاعات الإقتصادية في البلاد يساهم بسبعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي فقط. هناك العديد من المشاكل التي كانت تواجه هذا القطاع من قبل الأزمة الراهنة كأنظمة الريّ البدائية الهادرة لأكثر من 60% من مجمل الإستهلاك للمياه، و عدم وجود أي قانون لمراعاة المفاوضات بين المزارعين المحرومين من حقوقهم و التجّار المحتكرين للأسواق.
هذه المشاكل و غيرها ممّا يستشري بضعف القطاع الزراعي يعود إلى جذور النظام اللبناني الزبائنيّ، إذ أن المسيطريين على الموارد في هذا القطاع هم حفنة من الأشخاص النافذين. فإن ثلثي الأراضي الزراعية اللبنانية تسيطر عليها نسبة 10% من مالكي الأراضي التي تعود لشخصيات سياسية بارزة. فالمشاكل التقنية المعروفة ليست إلّا مشاكل ثانوية أمام الأسس للمشاكل المهيمنة على القطاع الزراعي.
لم يتواجد قطّ في التاريخ اللبناني الحديث نظام ثابت و قانونيّ للعمل الزراعي، فمعظم العمّال من لبنانيين و سوريين في المجال الزراعي غير منظمّين. لا يوجد تعريف لمهنة المزارع و لا وجود للمصطلح الإستثمار الزراعي في لبنان.
فلا يجد المزارع اللبناني أي تغطية صحّية أو معاش تقاعديّ له. فحتى قبل الأزمة الإقتصادية الراهنة، لم يستطع المزارعون الحصول على القروض من المصارف لدعم استثماراتهم، فالمؤسسات المالية لا تبدي اهتمامًا بالمزارعين الصغار.
إضافةً لذلك، إنّ إدارة الأسواق المحلية تملؤها الشبهات و تغيب عنها الشفافية في أسعار الجملة من خلال إضطرار المزارعين على الإستعانة بوسطاء للتوزيع. لأن المزارع لا يستفيد من خدمات مؤاتية لفرز، تصنيف و تخزين محصولهم، فيجبرون على العمل مع محتكرين يجمعون التجارة بالزراعة، ممّا يؤدّي بهدر حقوق المزارعين و خسارة في الإنتاج بما لا يقلّ عن 15%.
المشاكل في القطاع التجاري والخدماتي
إن لبنان يتمتّع بمبدأ رأسمالي مدعوم من الليبرالية الإقتصادية فلا تتدخل الحكومة بالتجارة، كما يتواجد نظام سوق تنافسي حر يعتمد على العرض و الطلب للأسواق من دون تدخلات من السلطات أيضًا. و لكن هيكلية الميزان التجاري اللبناني سلبية، فالعجز التجاري تخطى المليارات و الإستيراد يفوق التصدير بكميات هائلة.
أمّا القطاع الخدماتي، فمن المعروف أنّه من اكبر القطاعات المنتجة للإقتصاد اللبناني، إذ يشكّل أكثر من 83% من الشركات اللبنانية. فطبيعة البلاد الجميلة و المتنوعة لطالما جذبت النشاطات السياحية و الثقافية.
إلّا أن قطاعي التجارة و الخدمات تحديدًا هما من أكثر القطاعات التي تتأثر بشكلٍ كبير بالأوضاع السياسية و الأمنية للبلاد، و لا يخفى على أحد هشاشة هذين الصعيدين،إذ يمتاز لبنان بعدم الإستقرار سياسيًا و أمنيًا.و لا نستطيع أن نتجاهل الضربة القاضية على قطاع الخدمات كما القطاع التجاري في لبنان بسبب الإنهيار الإقتصادي الراهن الذي تخلله جائحة كورونا و انفجار مرفأ بيروت.
إذ أن 20% من المؤسسات التجارية كانت قد أقفلت أبوابها نهائيًا بين 2019 و 2020، و تلاها 10% من المؤسسات المتبقية عام 2021، بينما تراجعت أعمال المؤسسات التي لا تزال صامدة بنسبة 90%.

المشاكل الإجتماعية

المشاكل الديموغرافية
إن المشاكل الديموغرافية في لبنان لا تتجزأ عن مشاكله الطائفية. فحتى بعد انتهاء الحرب، لم يستطع المجتمع اللبناني إعادة الثقة و الإلتحام ما بين الطوائف العدّة المتواجدة في لبنان و المنقسمة فيما بينها. فخلال 15 سنة من حربٍ أهليّة مدمّرة، رُسمت خارطة سكانية جديدة للمجتمعات اللبنانية أعادت شكل الوطن شبيهًا بما كان عليه خلال حكم السلطنة العثمانية. فقد تمّ تهجير أجزاء كبيرة من المجتمع من المناطق التي كانوا يقيمون بها و انعزلت الطوائف مناطقيًّا كما انعزلت اجتماعيًّاعن بعضها البعض.
بعد انتهاء الحرب، لم نشهد على وحدة لبنانية فعليّة إذ لم يتغيّر هذا الفرز الديموغرافي الذي أنتجته تلك الحرب، و ذلك لأسباب طائفية و سياسية التي لم تحثّ المجتمع على التلاحم الحقيقي.
فليومنا هذا، لا يزال السياسيون يستعملون الطائفة و حقوق هذه الطائفة بخطابتهم.بالإضافة إلى ذلك،فإن هناك رأي واسع يناشد بصحّة هذا النظام الطائفي،إذ يُعتقد أنّ التوازن في لبنان قائم على هذا النظام و إنّه هو ما يضمن التمثيل السياسي و الإجتماعي لجميع الطوائف، مع ضمان حقوق أقلياتها. لكنّ هذا الواقع قد جعل الحكم في لبنان قائم على اتفاقيات – أو عدمها – بين مختلف تلك الطوائف.
و لهذا السبب لم يُلتفت بعد للملفّ الديموغرافي المشوِّه لصورة وطن يُفترض أن يكون جامعًا. و مع أن جميع المناطق اللبنانية يجمعها الحرمان من الخدمات الأساسية، كما تجتمع شمالًا، بقاعًا و جنوبًا على التهميش المناطقي و العزلة، إلًا أنًها لا تزال مثابرة على الإنقسام المذهبيّو الطائفيّ،الأمر الذي يسهّل استغلال جميع المواطنين على حدٍّ سواء بمبدأ "فرّق تسُد".
المشاكل التربوية
إنّ الأسس و المبادئ تُزرع في الأطفال و الأولاد، و هؤلاء هم من سيكبروا ليؤلّفوا الركن الأساسي لمستقبل الوطن و يُكوّنوا اليد العاملة و الفكر الإجتماعي و الناخبين للحكّام، و من ضمنهم من سيكون أيضًا العامل المكوّن الأساسي للسلطة المستقبلية. و هذا هو ما يعرفه و يستغلّه كلّ من الأحزاب السياسية في لبنان الناشئة عن طائفية و مذهبية عقائديّة.
إذ نرى في الواقع التربوي الحالي في لبنان، ضعف المؤسسات الرسمية التابعة للدولة، وضعفها يكمن في الجزء التعليمي و الأكاديمي، و في الجزء المادّي الذي يظهر من خلال عدم وجود أيّ دعمٍ يُذكر لموظفيها أو مبانيها.
في المقابل نرى قوّة المؤسسات التعليمية الخاصّة، التي لا يخفى مكوّنها الأساسي المذهبيّ و الطائفي و تبعيتها لأحزابٍ أو طوائف معيّنة. و الأمر لا يتوقف عند المدارس و المعاهد و الجامعات فقط، بل نجد في كلّ منطقة حركات كشفية و منظمات تُعنى بالنشاطات لجيل المستقبل ناشئة عن أيديولجية حزب أو طائفة معيّنة.
وهكذا ينمو أطفال لبنان، محاطين بهذه المفاهيم الطائفية بتلك الكوادر التعليمية المحزّبة أو التابعة لطائفة معيّنة، مع الحرص التام للحكومات المتتالية بتجاهل تنمية المؤسسات التربوية الرسمية التي يجب أن تزرع حب الوطنالذي يجب عليه أن يجمع جميع هذه الطوائف بعيدًا عن التعصّب و العقائدية.
و بما أن قوّة إستمرارية الأحزاب تعتمد على وجودها الراسخ بعمق المجتمعات، فها هي تأبى حتى الإتفاق على كتابة تاريخ لبناني واضح موحّد، و تدعم المؤسسات التي تميل لكونها تجارية أكثر من تعليمية، فتكثر بذلك عشوائيّا مؤسسات تعليمية فاشلة فاسدة، غير كفوءة تربويًّا أو منهاجيًّا. يُضرب بعرض الحائط الحاجة التعليميّة الصحيحة للجيل الناشئ، فيكثر تزوير الشهادات، و يُعمل على تدمير الأُسس التربوية لفرضالسلطات المتتابعة طائفيّتها و عقائدها على حساب هويّة وطنيّة واحدة.
المشاكل في الخدمات الأساسية
إن ثورة تشرين اللبنانية عام 2019 كانت قد اندلعت بسبب تفاقم المشاكل الإجتماعية عامةً، و عدم قدرة أو عدم اكتراث السلطة لتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين خاصّةً. فتظاهر الشعب كافّة من جميع مكوناته أمام المؤسسات الحكومية الفاشلة المسؤولة على تردّي هذه الخدمات كما تمّ التظاهر أمام المؤسسات المالية و المصارف تحديدًا.
من أوّل و أهم القطاعات الخدماتية فشلاً في لبنان هي الكهرباء، إذ يعاني لبنان من انقطاع و تأنين كهربائي قاسٍ جبر المواطنين على الإستعانة بمولدات طاقة كهربائية نتجت عنها مافيات غالبًا ما يرتبط كلٌّ منها بطرف سياسيً معيًن.
و بينما يستنزف القطاع الكهربائي ما يعادل ملياري دولار من الأموال العامة، لم تستطع الحكومات المتلاحقة تأمين الطاقة على مدار الساعة بالرغم من الوعود الفارغة التي توّجت الخطابات السياسية.
ومع تفاقم الأزمة الإقتصادية تقلّصت ساعات التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان، فاستشرست المافيات المسيطرة على مولدات الطاقة البديلة على المواطن بأسعار و تقنين يتخطى المفاهيم العقلانية. إن القطاع الكهربائي من أكبر بؤر الفساد العلني اللبناني الذي يثقل كاهل اللبنانيين بدفع فاتورتين شهريًا، و حاليًّا يزداد سوءً بإغراق البلاد بعتمةٍ شاملة.
أما في قطاع الإتصالات التي تربط العالم سوياً، فها هو لبنان يمتاز عن الدول المحيطة به بأعلى فواتير الهاتف النقالة من جهة الإتصالات المحليّة و الدوليّة و أسعار البيانات. يتواجد في لبنان شركتان حالياً هما ألفا و أم.تي.سي. تاتش.
وبحسب تقريرٍ مؤخّرٍ لرويترز، فإن اللبنانيين ينفقون ما يقارب 5% من متوسّط مدخولهم لاستعمال خدمات الإتصالات. و لطالما فتّشت السلطات المتتالية على طرق لزيادة الربح من هذا القطاع الذي يحقّق بالأصل أرباح هائلة، و جرّبت حتّى فرض رسوم على استعمال تطبيق واتساب المجاني، الأمر المباشر الذيأدّى لاندلاع الإحتجاجات عام 2019.
أمّا المشاكل المصرفية فكانت دومًا ذو سياسات قاسية تجاه المواطنين، حتّى قبل الإستحواذ على كافّة أموال المودعيين المؤخّر. فلم تكن عمليات القروض مسهّلة للشعب بسبب ارتفاع الفائدة، بينما تبيّن لاحقّا أن المصارف كانت قد قدمّت تسهيلات لزعماء سياسيين استطاعوا الإستفادة من قروض مدعومة للإسكان،و مع أن تلك القروض كانت قد نشأت بالأصل لمساعدة المواطنين الغير قادرين على شراء عقار شخصيّ. فقد كانت و لا تزال المصارف تستعمل نهج ماليّ ظالم و مجحف جعل المواطنين أكثر جوعًا و فقرًا.

المشاكل الإصلاحية

نظام الدويلات
إنّ الدولة القوية يجب عليها تأمين الحماية اللازمة لمناطقها و حدودها. و من هنا تكمن القوّة لهيبة و سلطة الدولة عسكريّا في الدفاع عن الحدود من الإعتداءات الخارجية، و داخليّا من خلال تواجد قوى عناصر للأمن لحفظ السلام و الحماية من كل اعتداء أو صراع.
أما في لبنان، فالوضع مغاير تمامًا. لا شكّ أنّ الحرب الأهلية التي خاضها اللبنانيون أدّت إلى ضعف سلطة الدولة إذ لجأت كلّ طائفة و كلّ منطقة على اعتماد الحماية الذاتية، حتّى لو لم تكن من المشاركين الأساسيين في الحرب.
بعد انتهاء الحرب و حتّى بعد حلّ الميليشيات التي شاركت في هذه الحرب، بقي مفهوم الدفاع عن الذات أو المنطقة أو الطائفة عالقًا في أذهان معظم الشعب المدمَّر. فقد نشأ مفهوم المقاومة الشعبية الذي انحصر مع التقسيم الديموغرافي الطائفي بعد الحرب في المناطق الجنوبية تحديدًا ذو الأغلبية الشيعية.
ومع أن مفهوم المقاومة عامةً يفترض شمول شعب مقاوم بكافة فئاته، انحصرت المقاومة بطائفة واحدة و حزب واحد ذو خط و أهداف سياسية واحدة. ما جعل مفهوم المقاومة اللبنانية عرضةً للإستهداف من بعد أي اختلاف سياسي داخلي أو حتى خارجي عند المساس بأحد القوى الخارجية ذو تبعيّات سياسية لبنانية.
إنّ النمط الميليشياوي الموجود عند جميع الأحزاب و الطوائف اللبنانية هو الذي حوّل هذا البلد الصغير لبنان لمجموعة دويلات. فمع أن حزب الله يقود حالياً أكبر القوى العسكرية و المسلحة التي تكمن خارج السلطة، و لكن إيديولجية المناطقية و الطائفية و الحكم الذاتي موجود في كلّ المناطق و عند مختلف الطوائف على حدٍّ سواء ليصل أيضًا إلى مخيًمات اللجوء الفلسطينية. لهذا السبب تنتشر بكثافة الإنتهاكات المحليّة المفروضة بالقوّة مع فرض الخوّات، و الإعتقالات خارج إطار الدولة و القانون إلى حدّ الخطف و القتل كتصفية حسابات.
ويجدر بالذكر أنّ هذا الإنقسام الطائفي المناطقي يصبّ مباشرةً بمصالح الأحزاب الطائفية المهيمنة و النظام الطائفي ككلّ، مما يؤدّي إلى الرضا بهذا الواقع الذي يقسّم الدولة إلى دويلات
القضاء
إنّ وجود القضاء العادل في الدولة أمرٌ أساسيً للحفاظ على حقوق المواطن، لمعاقبة الظالم المعتدي أو المجرم و لتحقيق العدالة عامّةً بين المواطنين من جهة و بين السلطة و شعبها من جهة أخرى. و هنا تكمن أهميّة استقلال القضاء، و عُلوِّه عن أي نزاعات سياسية أو حزبية. أمّا في الواقع اللبناني، فنجد أنّ استقلال السلطة القضائية اللبنانية وهمٌ يكتب عنه و يحكى عنه فقط. إذ أنّ الآلييات للتعيينات القضائية و مجريات محاكمهم يخضعن للسلطة و أزلامها.
فلا يوجد أي شكل من أشكال الرقابة القانونية بسبب المحاصصة التي تُعتمد على أسس طائفية، بالإضافة إلى إمكانية الأحزاب جميعها على التأثير على السلطة القضائية، إذ كلّ حزب يستطيع أن يتدخّل بالإجراءات القانونية لمساندة أحد من أزلامه. فنرى أنّ التابعين للأحزاب و كبار السياسيين لا يُطال أحدٌ منهم من أيّ قاضٍ كان مهما كَبُرت تهمته أو عظُم جرمه.
كما أنّ النظام السياسي في لبنان يعتمد نهج الحصانات الذي يجعل مساءلة أيّ مسؤول أو موظف رسميّ أمرًا مستحيلًا. فتتقيّد يد القضاء بقوانين السريّة المصرفية و الحصانات الدستورية و القانونية، ممّا يسهّل نشوء تواطؤ هؤلاء بأعمال غير قانونية و تطوير مصالحهم و خدماتهم.
هذه الخدمات تقدّم من المتواجدين في السلطة لأفراد عائلاتهم و أصدقائهم المقربين و شركائهم، إذ تلحقهم هذه الحصانات تباعًا. فيسعى الناس لرضى الزعيم الذي أصبح أهمّ بكثير من الخوف من المحاسبة القانونية، التي مع النظام الحالي، لم تعد قادرة إلّا على من ليس لديه غطاء سياسي حزبي.
سياسة الزعامات
إن المعايير التي يتّصف بها نظام الزعماء في لبنان تضرب بعرض الحائط الدولة و منطق المؤسسات. إن الزعيم اللبناني يسعى لعقد الصفقات، لتبادل المصالح، للمحاصصة، للتدخل بالقضاء، و حتى لخرق الدستور مما يضعف هيبة و كيان الدولة.
فالزعيم، و ليس الدولة، هو الذي يوفّر الحماية للمواطنين بالمقابل يحصل على طاعة أتباعه التامة. و لهذا أصبح زعماء لبنان سلطة أمر واقعو يجب رؤية وظيفة هذا الزعيم و ما يمتاز به لنعرفمدى المشاكل الإصلاحية التي نواجهها.
إنّ الزعيم في لبنان يمثّل طائفة معيّنة ويحفظ مصالحها في مؤسسات الدولة، الأمر الذي يعطيه الشرعيّة. غير أن الدستور اللبناني لا يذكر ولا يوجب وجود ممثلين عن الطوائف. كما أن هذا الزعيم، بموقعه الحالي، هو الذي يؤمن حصول المواطن على حقوقه بوجوده كصلة وصل بين الدولة ومؤسساتها من جهة وأبناء طائفته من جهة أخرى.
وبهذا الواقع، تتكون الزبانئية التي هي السبب الأساسي للفساد اللبناني. والمشكلة الأكبر تكمن في أن هذه الزبائنية أصبحت من أسس لا بل من بنيان السياسة اللبنانية التي يعتمدها السياسيين، وبها تتحول إدارات الدولة إلى حصون الزعماء لتثبيت نفوذهم، فجميعهم يعتمد على مكافأة أتباعه بوظائف مثلًا وتهديد خصومه ومعاقبتهم.
إن هذه الزبائنية تحوّلت في لبنان إلى وسيلة احتكار وهيمنت على جميع المفاصل في الدولة. إنّ أيّ فرد لا ينتمي إلى طائفة معيّنة، يجبر رغمًا عنه بالمرور عبر أحد هؤلاء الزعماء للحصول على أدنى حقوقه أو أيّ خدمة يحتاجها من الدولة اللبنانية. فإنّ الزعماء الحاليين لا يستعملون زعامتهم و أسلوبهم الزبائنيّ فقط بترغيب المواطنين لضمانهم الطاعة المطلقة، بل هم يستعملون أيضًا وسيلة الترهيب من الزعيم الآخر.
وهذا الأسلوب أصبح جزء لا يتجزأ من الخطابات السياسية الحالية. إذ أنّ جميع الزعماء يصنّفون أنفسهم كالمدافع الأول عن الطائفة التي يمثّلها كلّ واحد منهم، و يوحي لأبناء هذه الطائفة أنّهم بخطر من الزعيم الآخر. فالحقيقة أن الزعماء بمختلف انتماءاتهم يعتمدون على وجود بعضهم البعض في الساحة السياسية اللبنانية، والخلافات فيما بينهم تتمحور على شدّ العصب الطائفي، مما يثير الخوف والقلق عند المواطنين ليصبح أتباعهم أكثر تعلّقًا بهم. لذا وجود هذا الزعيم الآخر من أساسيات بنيان النظام السياسي للمحافظة على مكانة وسلطة كل واحد من هؤلاء الزعماء.
المشاكل الإنمائية
إنّ الدولة الناجحة تسعى إلى تأمين حقوق مواطنيها بتأمين احتياجاتهم الأساسية و تأمين فرص العمل المؤاتية، الأمر الذي يؤدّي إلى الإنتاج و الاستثمارات في جميع أنحاء الدولة. و هنا تكمن أهميّة الإنماء البشري فتكون الفائدة المباشرة للمواطن فيأخذ حقوقه المشروعة من سلطته، و يصبّ الإنماء أيضًا في مصلحة الدولة على المدى البعيد. و هذا الإنماء يجب أن يكون متساويًا و متوازنًا في كلّ المناطق كمقيّم لنجاح السلطة الحاكمة.
أمّا الوضع الحاليّ في لبنان فهو بعيد كلّ البعد عن أي من أشكال الإنماء المتوازن. فنجد مدن و قرى و مناطق كاملة مهمّشة، تفتقر لأبسط الحقوق الوجودية. ففي الشمال و الجنوب و البقاع و بعيدًا عن المدن الأساسيّة الضخمة، نجد صعوبة في التنقل لقلّة المواصلات العامّة و رداءة الطرقات، نرى افتقار هذه المناطق للمؤسسات التربوية أو حتى الإستشفائية المتطوّرة.
فالنظام الطائفي الحالي من مصلحته اتباع نظام مركزيّ يحصر التطور و الإنتاج في العاصمة و بعض المدن الأخرى، فيُعزّز الإنماء في المناطق التي يراها زعماء الطوائف مؤاتية لمصالهم، و يبقون على مناطق أخرى محرومة ليكسبوا رضا هؤلاء السكان الضعفاء بخدمات بسيطة. و إنّ هذا الخلل بالتوازن الإنمائي يدعم مصالح هذه الأحزاب الطائفية بتركيز كلّ قدرة إنمائية على مناطقهاالمحدّدة أو الإنفراد على ضعف المناطق الأخرى.
و يبقى حلم الإنماء المتوازن يخيّم بعيدًا عن لبنان و لا يُستحضر إلّا مع الخطابات السياسية الواهنة الفارغة لربح سكان المناطق المسضعفة عمدًا.

الإنهيار الإقتصادي

إن الأزمة الإقتصادية التي يشهدها لبنان منذ صيف 2019 هي من أسوأ الأزمات التي مرّ بها لبنان عبر تاريخه، ومن أسوأ الأزمات الإقتصادية عالميَّا. ويجدر الذكر بأن هذه الأزمة لطالما كانت تلوح بالأفق منذ سنينٍ طويلة.
وهذا الأمر يعود لبنيان النظام المالي والإقتصادي اللبناني الذي نشأت أسسه الحالية من بعد الحرب الأهلية، بالإضافة إلى اصرار الزعماء الحاليين على التنصل من المسؤولية التي أدّت لهذا الإنهيار الشامل.
أسس النظام المالي
تسلّم رفيق الحريري الراحل رئاسة الوزراء بعد انتهاء الحرب اللبنانية الأهلية، و حينها تأسس نظام ماليّ جديد مبني على التزام البنك المركزي بتحديد سعر الليرة مقابل الدولار مهما كلف الثمن، فشهد لبنان ظاهرياً استقرارًا ماليّ و اقتصادي على مدى سنين طويلة. ولتحديد سعر الليرة كانت السياسة المتبعة تعتمد على اقتراض مصرف لبنان من المصارف المحلية العملة الأجنبية للمحافظة على الاحتياط اللازم لثبات سعر الصرف.
كما أنّ مصرف لبنان كان يستخدم سندات الخزينة كأداة لتثبيت سعر الصرف على حساب ميزانية الدولة. و من الثوابت التي نشأ عليها النظام المالي اللبناني هو الإستدانة، الأمر الذي كان يستغلّه المصرف المركزي لتثبيت سعر الصرف أيضًا، فالليرة مقابل الدولار الأميركي يجب أن تبقى على سعر 1,500 مهما كانت التداعيات.
الإقتصاد الريعي
إن الإقتصاد اللبناني ريعي، إذ أنه قائم على استغلال مصادر الدخل المحدودة، فيستنفذ الموارد المنتجة ويتّكل على مصادر تمويل خارجية غير مستقرّة، كالديون والهبات وأموال المغتربين. وفي ظل وجود هذا النظام الإقتصادي الريعي و الهندسات المالية، نجد فرقًا شاسعًا في الفوائد التي كانت تقدّمها المصارف بين الودائع بالليرة و الودائع بالدولار، مما حفّز الممارسات الريعية و تدهور الإنتاج أو الإستثمارات البنّاءة المفيدة للإقتصاد.
فمن خلال هذه السياسات، تمكّنت المصارف من الاقتراض بالدولار بفوائد منخفضة وإعادة توظيف هذه الأموال بسندات خزينة بالليرة اللبنانية. و بفضل تثبيت سعر الصرف، ضمنت المصارف إعادة تحويل الأرباح إلى الدولار.
هذا ما أدى إلى أرباح طائلة غير مرتبطة بأي إنتاج أو استثمار حقيقي، بل المصارف، وعلى الرغم من أحداث الإغتيالات و المخاطر الأمنية التي عصفت في البلاد من العام 2005، لم تتوقّف عن تحقيق أرباح طائلة، التي بدورها كانت بمثابة تحويلات من المال العام إلى المصارف مباشرةً.
هذه الأرباح الطائلة للقطاع المصرفي أتت على حساب القطاعات المنتجة، وذلك لأن الفوائد المرتفعة لدى المصارف تشجع أصحاب رؤوس الأموال بألا يستثمروا في الإقتصاد المنتج بل بوضع فائض أرباحهم في ودائع المصارف، حيث يضمن صاحب رأس المال عائدات مرتفعة و مضمونة بسبب ثبات سعر الصرف والفرق بالفوائد.
هذه السياسة المالية المتبعة أدّت إلى ارتفاع قيمة الودائع من 180% في عام 1992 من الناتج المحلي، القيمة التي هي بالأصل مرتفعة جدًّا، إلى نحو 350% في العام 2014. في الوقت ذاته، تراجعت حصة القطاعات المنتجة كالصناعة و الزراعة مع مرور كل سنة بنسبة 3% تقريبًا.
تهرّب المسؤولين من المسؤولية
عند وجود أي مشكلة في اقتصاد أي بلد، أوّل ما ينظر إليه هو سبب هذه المشكلة و من المسؤول عنها. و في ظلّ انهيار شامل للإقتصاد، يجب على المسؤولين أن يتحمّلوا المسؤولية، إذ أنهم هم "المسؤولون" عن الدولة و كل ما يحصل بها. و لكن في لبنان، هؤلاء المسؤولين كانوا دائمًا يعتمدون على حيل و مناوارات للتنصّل من مسؤولياتهم أمام أي محاسبة. و هذه الأساليب التي يتبعها سياسيو لبنان أصبحت جزء من خطاباتهم السياسية.
وبالرغم من الانهيار المدمّر و المستشري الحاصل حاليًّا في لبنان، لا زال الزعماء يرددون الخطابات ذاتها و يتذرعون بالأسباب ذاتها للهروب من مواجهة مسؤوليتهم. لذا يجدر ذكر هذه الخدع الضالّة التي يستعملوها، إذ أن هروبهم هذا هو الذي يؤدي إلى ازدياد شدة الأزمة و عدم القدرة لمواجهة أسباب المشكلة و محاسبة المسؤول عنها.
إن جميع من في السلطة حاليًا لطالما انتقل بتحليلاته السياسية إلى مناقشات بالسياسات الإقليمية و الدولية. إذ يعتمد جميع الزعماء على الهروب من المشاكل السياسية الداخلية وعن مسؤولياتهم عن الإنهيار بلوم القوى الخارجية والسياسات الإقليمية على هذه المشاكل. فهذه المؤامرة الخارجية فيلم طويلا ينتهي عند زعماء لبنان. و بغضّ النظر عن وجود تدخلات و أدوار مشبوهة لدول كبرى خارجية، لا يمكن أن تكون هي السبب بالزبانية و الفساد الممنهج والانحلال لمؤسساتي أو حتى الإنهيار الشامل الحالي.
وعند اضطرارهم لمواجهة الأزمة الحالية، يلجأ جميعهم إلى اتهام النصوص القانونية. إذ أنّها هي التي تحتاج للتعديلات و يجب على السلطة تشريع قوانين لمنع الفساد و تعزيز الرقابة و وجوب تأليف حكومة تكنوقراط. و بهذا تتحول مشكلة الإنهيار الإقتصادي إلى تعابير و مشاكل تقنية لا أكثر، فيتنصّل من هم في السلطة عن مسؤولياتهم في وصول لبنان إلى ما وصل إليه.
وتبقى أقوى و أكبر الحيل المستعملة من قبل سياسيي لبنان هي التعذر بالطائفية و شدّ العصب الطائفي. فاليوم، أي انتقاد سياسي يوجّه لأي زعيم سياسي للبنان، يكون حتمًا موجّهًا للطائفة التي يمثّلها. و مع أن جميع السياسيين حاليًّا يتبنون فكرة إلغاء الطائفية، و لكن هذا الأمر هو ما يدعم قوّة وجودهم في السلطة. إذ أن إلغاء الطائفية السياسية أو فكرتها تزيد من شعبيتهم عند ناخبيهم، بينما أن الخطوة التي يجب أن تسبقها هو إلغاء الزبائنية و هيمنة الزعامات على الدولة.
فالطائفية السياسية ليست هي التي تؤدّي للفساد و الارتهان الخارجي، بل تكمن المشكلة بمن يمثّلون هؤلاء الطوائف. و هؤلاء أيضًا هم من يتنصّلون من المسؤولية و يهربون من مواجهة المشاكل التي كانوا من أسبابها الرئيسية بطريقة لطالما اعتدنا عليها، و هي قذف التهم فيما بينهم. كل خطاب سياسي لزعيم و لكل فريق سياسي يعتمد أسلوب اتهام الطرف الآخر ليتفلّت هو من المسؤولية.
فبالإعتماد على منطق فرّق تسد، يعمد زعيم كلّ طائفة على اتهام خصمه، فينتقل النقاش بذلك بين المواطنين بتبادل التهم، مما يزيد انقسام اللبنانيين فيما بينهم و يبتعد التحليل عن سبب الإنهيار الحقيقي و عن الفساد المستشري بالمنظومة الحاليًة ليبقى ضمن "الحق عليهم" و "ما خلّونا".

النتيجة

بعد القراءة العميقة للسياسات اللبنانية، تبيّن أن التهليل بانفتاح لبنان و ليبرالية الإقتصاد اللبناني هي صورة بعيدة كل البعد عن الواقع المرير الذي يعيشه لبنان. فالإقتصاد اللبناني هو رهين الطبقة الحاكمة التي تمسّكت بهذه السياسات المالية و الإقتصادية منذ تسعينات القرن الماضي و منذ استلامها الحكم بعد الحرب الأهلية.
و السبب الأساسي هو لضمانها بالبقاء في السلطة و تقسيم الأرباح مع شركاء كل واحد منهم و مع المصارف و أصحابها، إذ أنّ كلّ سياسيي لبنان لديهم مصالحهم الإقتصادية. النتيجة هي ضخ الأرباح الناتجة عن سياسات القطاع المصرفي لتتم مضاعفتها مجددًا من خلال الاستغلال الريعي للسياسات النقدية و سعر الصرف.
هذا الأمر أدّى إلى إغناء الطبقة الحاكمة بطريقة فاحشة و تراكم ديون الدولة على حساب الشعب و حساب أي إنتاج كان من الممكن أن يكون مفيدًا للإقتصاد، مما أوصل لبنان للإنهيار التام.
وبعد العجز الحاصل في ميزان المدفوعات، الذي يتمثل بدخول الأموال مقابل خروجها في لبنان، تم إنهيار النظام المالي الذي يعتمد بشكلٍ أساسي على تدفق الدولار إلى السوق اللبناني. فالأزمة الحالية المستشرية بالبلاد هي النتيجة المحتّمة لهذه السياسات المعتمدة. و لهذا يجب الآن اتخاذ الخطوات المناسبة و الحاسمة لتغيير أسس الأنظمة التي أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه اليوم، و لإنقاذ ما تبقى من الوطن.
Follow our page on social media